محمد بن علي الشوكاني
4871
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده ، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله وسلم وبعد : فإنه وصل إلي سؤال في شهر القعدة سنة 1207 ه - ، كراسة فيها اختلاف بين حكام المخلاف السليماني من ولاية أبي عريش ، وسألوني أن أحكم بينهم في القضية التي تعد ، وصفتها أن رجلا مات وخلف أخا ، وأوصى بجميع ماله ، ثم كتب وصيته بعض حكام ذلك القطر ، وأمره أن يقتصر على الثلث لتصح الوصية ، فاقتصر عليه ، وقامت شهادة متكاثرة أن الموصي قال في مرضه الذي مات فيه ، وفي حال صحته : لأحرمن أخي الميراث ، فرجح بعض حكام ذلك المحل بطلان هذه الوصية ، وإن كانت بالثلث لاشتمالها على الضرار الذي حرمه الله ، واستدل على ذلك بأدلة ، ورجح بعضهم صحتها بالثلث ؛ لأن القربة غير شرط ، وقد جعل الله للميت ثلث ماله يتصرف فيه كيف شاء . والكلام في المسألة معروف مدون في مواضعه ، ولكني أذكر منها ما هو الراجح عندي وأبين ما دلت عليه الأدلة باعتبار العمل الأصولي . فأقول : قد وردت أدلة قاضية بجواز الوصية بالثلث لمن كان له وارث ، منها حديث ابن عباس أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - قال : " الثلث ، والثلث كثير " متفق عليه ( 1 ) ، وحديث سعد بن أبي وقاص بنحوه عند الجماعة ( 2 ) كلهم ، ونحوها .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في " صحيحه " رقم ( 2743 ) ومسلم رقم ( 10 / 1629 ) من حديث ابن عباس قال : " لو أن الناس غضوا من الثلث فإن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " الثلث والثلث كثير " . ( 2 ) أخرجه البخاري رقم ( 1295 ) ومسلم رقم ( 5 / 1628 ) وأحمد ( 1 / 179 ) وأبو داود رقم ( 2864 ) والترمذي رقم ( 2116 ) والنسائي ( 6 / 241 - 242 ) وابن ماجة رقم ( 2708 ) . قلت : وأخرجه الدارمي ( 2 / 407 ) والطيالسي ( / 282 رقم 1433 - منحة المعبود ) ومالك ( 2 / 763 رقم 4 ) بألفاظ متعددة من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي قال له : " الثلث والثلث كثير - أو كبير - إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس " بعد أن قال له سعد : " إنه يريد أن يتصدق بثلثي ماله قال : لا . قال : فالشطر يا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قال : لا . قال : فالثلث ؟ قال : " الثلث والثلث كبير "